حبيب الله الهاشمي الخوئي

154

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

لأنّ هذه الصفة التي يحبّ المدح بها إما أن يكون متّصفا بها واقعا أم لا فإن كان متّصفا بها فهي إما من الكمالات النفسانية كالقدرة والشجاعة والعدالة ، أو ليست من الكمالات النفسانية بل من الأعراض الدّنيوية كالثروة والجلال والشوكة ونحوها . أما الأعراض الدنيويّة فالفرح بها كالفرح بما أنبتت الأرض من النبات الذي يصير عن قريب هشيما تذروه الرياح ، وهذا من قلَّة عقل العاقل فلا ينبغي أن يفرح بما هو في معرض الزوال والفناء ، وان فرح فلا ينبغي أن يفرح بمدح المادح بل بوجوده والمدح ليس سبب وجوده . وأما الكمالات النفسانية فينبغي أن يكون فرحه فيها بفضل اللَّه تعالى أيضا لا بمدح المادح ، فانّ اللذة في استشعار الكمال والكمال موجود بفضل اللَّه لا بمدح المادح والمدح تابع له وان لم يكن متّصفا بها واقعا فحبّ المدح بها غاية الجنون ، ومثله كمثل من يهزء به إنسان ويقول له : سبحان اللَّه ما أكثر العطر الذي في أحشائك وما أطيب الرّوائح التي تفوح منك إذا قضيت حاجتك ، وهو يعلم ما تشتمل عليه أمعاؤه من الأقذار والأنتان ومع ذلك فيفرح بمدحه فإذا المادح إن كان صادقا فليكن فرحه بصفته الَّتي هي من فضل اللَّه وإن كان كاذبا فينبغي أن يغمّه مدحه حيث إنه يستهزء به ويستسخر منه فكيف يفرح به . وأمّا الحشمة الَّتي اضطرت المادح إلى المدح فمرجعها أيضا إلى قدرة عارضة لا ثبات لها ، فعلم بذلك أنّ حبّ الفخر من أسخف حالات الولاة . ( و ) من أسخف حالاتهم أيضا أن ( يوضع أمرهم على الكبر ) أي يتّهموا بالكبر لاستعظامهم لنفسهم واستحقارهم لغيرهم وترفعهم عليه وانفهم من عباداتهم وهو أيضا من ضعف العقل لأنّ الكبر والعزّ والعظمة والجلال لا يليق إلَّا بالقادر القاهر مالك الملك والملكوت فأين يليق به العبد الضعيف المسكين المستكين الذي لا يملك لنفسه موتا ولا حياتا ولا نشورا .